ملف / تحليل معمق

صندوق سيادي للذكاء الاصطناعي: ما الذي تكشفه مقترحات Altman عن العلاقة بين الدولة والصناعة في الولايات المتحدة

وفقًا لـ Financial Times، اقترحت OpenAI أن تمنح الحكومة الأميركية 5% من رأسمالها، وأن تحذو الشركات المنافسة حذوها. من هذه الفكرة يتبلور تصور لصندوق سيادي للذكاء الاصطناعي، يكشف اختلافًا جوهريًا بين العلاقة بين الدولة والصناعة في الولايات المتحدة والمسار الأوروبي.

STStephane Nachez · ·5 min
صندوق سيادي للذكاء الاصطناعي: ما الذي تكشفه مقترحات Altman عن العلاقة بين الدولة والصناعة في الولايات المتحدة
Visuel d'illustration généré par IA - ActuIA
المحتويات

هذه معلومة نقلتها صحيفة Financial Times في 2 يوليو 2026، وتناقلتها لاحقًا جهات مثل Bloomberg وCNBC وCNN وForbes: إذ يُقال إن OpenAI اقترحت أن تحصل الحكومة الأميركية على حصة تقارب 5% من رأسمالها. لكن ما يتجاوز الرقم نفسه هو الفكرة التي يُنسب إلى Sam Altman الدفاع عنها: إدخال الدولة في رأسمال صناعة الذكاء الاصطناعي الأميركية بأكملها، على شاكلة صندوق سيادي. وهي مقاربة للعلاقة بين السلطة العامة والتكنولوجيا تختلف بوضوح عن المسار الذي اختارته أوروبا.

وهنا يلزم توضيح منهجي، لأنه حاسم: حتى هذه اللحظة، لا شيء محسوم. إذ تنسب Financial Times المعلومة إلى «شخصين مطلعين على المحادثات»، وتصفها بأنها «تصورية» و«في مرحلة مبكرة». وبالتالي نحن لا نتحدث عن عملية بدأت فعليًا، بل عن اقتراح لا يزال قيد النقاش. وهذا تحديدًا ما يجعل الموضوع لافتًا.

ملامح المقترح، وفقًا لـ Financial Times

بحسب الصحيفة، اقترحت OpenAI التنازل عن حصة تقارب 5% لصالح الحكومة الفيدرالية. وإذا ما قيست هذه الحصة على التقييم بعد التمويل والبالغ 852 مليار دولار، الذي بلغته الشركة خلال جولة التمويل القياسية التي أُغلقت في مارس 2026، فإنها ستعادل نحو 42.6 مليار دولار. ويُقال إن Sam Altman ناقش الفكرة مباشرة مع الرئيس Donald Trump، وكذلك مع وزير التجارة Howard Lutnick ووزير الخزانة Scott Bessent.

لكن العنصر الأكثر أهمية ليس مصير OpenAI وحدها. فبحسب Financial Times، اقترح Altman ومديرون آخرون في الشركة أن تخصص كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية (وتشمل القائمة Google وAnthropic وMeta وxAI) نسبة 5% من رأسمال كل منها لصالح وعاء استثماري مستوحى من Alaska Permanent Fund. وبذلك، كانت ستتشكل عمليًا حصة عامة من صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها في الولايات المتحدة.

غير أن ثمة ملاحظتين مهمتين تتعلقان بالمصدر. فأولًا، تبقى قائمة الشركات المعنية غير مؤكدة: إذ تضيف بعض التغطيات أسماء شركات لصناعة أشباه الموصلات مثل Nvidia وMicron وAMD، بينما تشير Financial Times نفسها إلى أنه لا يُعرف أي الشركات قد توافق على المساهمة. كما أن شخصًا مطلعًا على الملف، نقلت عنه Forbes، أوضح أن Anthropic لا تجري أي محادثات باسمها مع الإدارة بشأن التنازل عن رأسمال. وثانيًا، فإن أي تطبيق فعلي لهذه الفكرة سيتطلب، بحسب الصحيفة أيضًا، صدور قانون من الكونغرس، وهو عقبة سياسية وقانونية كبرى لا تزال بعيدة عن التجاوز.

النموذج الألاسكي: خيار غير محايد

إن الإحالة إلى Alaska Permanent Fund ليست تفصيلًا عرضيًا. فهذا الصندوق، الذي أُنشئ عام 1976 بموجب دستور ولاية ألاسكا، يضع جزءًا من عائدات النفط في أصول متنوعة (أسهم، سندات، وعقارات)، ويُوزع منذ عام 1982 عائدًا سنويًا على كل مقيم. وهو يتجاوز اليوم 80 مليار دولار، ويُعد من أكبر الصناديق السيادية في العالم.

ومن خلال استحضار هذا النموذج، يُشبّه Altman القيمة التي يولدها الذكاء الاصطناعي بإيراد مشابه لإيراد النفط: ثروة تحتفظ الدولة بجزء منها ثم تعيد توزيعها على المواطنين. والحجة، كما تنقلها Financial Times، هي أن منح الجمهور مصلحة مالية في هذه الشركات سيكون «أفضل طريقة لمشاركة مكاسب» الذكاء الاصطناعي. وهذه الفكرة ليست وليدة اللحظة، بل تتبلور منذ أكثر من عام: إذ يُقال إن Altman عرضها على Donald Trump منذ مطلع 2025، فيما طرحت OpenAI في أبريل 2026 مفهوم «صندوق ثروة عامة» (public wealth fund) يهدف إلى إتاحة الاستفادة لكل مواطن من النمو الذي يقوده الذكاء الاصطناعي.

إقرار ضمني بميزان القوة بين الدولة والذكاء الاصطناعي الأميركي

السياق ربما يفسر الخطوة أكثر مما يفسرها الخطاب السخي الظاهر. فعدة تقارير تربط الاقتراح بتصاعد الضغط السياسي الذي تواجهه الشركات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي داخل واشنطن: انتقادات لنفوذها الاقتصادي، ولمخاطرها الاجتماعية، ولتأثيرها. وفي هذه القراءة، فإن التنازل عن جزء من رأس المال للدولة يعني، بالنسبة إلى الصناعة، شراء نوع من الهدنة التنظيمية عبر منح السلطة العامة مصلحة مباشرة في ازدهارها.

وهنا تصبح المبادرة ملتبسة. فأن تجعل الدولة مساهمًا، يعني أيضًا أن تجعلها حكمًا وطرفًا في الوقت نفسه: إذ يصعب على جهة تمتلك عوائد من قطاع ما أن تنظمه بصرامة. كما أن النقاش ليس محصورًا في معسكر واحد. فالنائب Bernie Sanders يطالب، من جهته، بحصة عامة أكبر بكثير، تصل إلى نحو 50% من رأسمال الشركات الكبرى في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يثبت أن فكرة الملكية العامة للذكاء الاصطناعي تخترق الطيف السياسي الأميركي، ولكن بأهداف متناقضة: تقاسم القيمة لدى البعض، واستعادة السيطرة لدى البعض الآخر.

وهذا الحراك يواصل سمة ثابتة في السياسة الأميركية الحديثة: التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أصلًا استراتيجيًا وطنيًا. فمنذ ولايته الأولى، وقّع Donald Trump أمرًا تنفيذيًا جعل الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية. أما المقترح الذي نقلته Financial Times فيدفع هذه المقاربة خطوة إضافية: ليس فقط دعم الصناعة، بل المشاركة في رأسمالها.

النقيض التام لسيادة الذكاء الاصطناعي على الطريقة الأوروبية

وهنا يظهر التباين الذي يوضح دلالة القضية على أفضل وجه. ففي الولايات المتحدة، تتجسد السيادة على الذكاء الاصطناعي عبر الملكية: تدخل الدولة إلى رأس المال، وتتقاسم المخاطر والأرباح، وتربط مصيرها بمصير الأبطال الوطنيين. أما في أوروبا، فتتحقق السيادة أولًا عبر القاعدة التنظيمية. فقد جعل الاتحاد الأوروبي من AI Act أداته المركزية: تنظيم الاستخدامات، وفرض الالتزامات بحسب مستوى المخاطر، وحماية الحقوق، من دون الدخول في ملكية الشركات.

وهكذا تتقابل فلسفتان. فالنهج الأميركي، كما ينعكس في هذا المقترح، يقوم على مواءمة المصالح: إذا ربحت الدولة عندما يزدهر الذكاء الاصطناعي، فستكون لديها مصلحة في استمراره في الازدهار. أما النهج الأوروبي، فيعتمد على إبقاء الجهة المنظمة خارج السوق كي تتمكن من ضبطه. النهج الأول يواجه خطر الاحتواء أو الأسر التنظيمي، لأن الدولة المساهمة قد تُحسن تنظيم ما يدرّ عليها الأرباح بصعوبة؛ أما الثاني، ورغم الانتقادات الموجهة إليه بأنه يكبح الابتكار، فإنه يحافظ على استقلالية الجهة الرقابية.

وبالنسبة لصانعي القرار في أوروبا، فإن أهمية هذه الحادثة لا تكمن في مآلها غير المؤكد بقدر ما تكمن في ما تكشفه. فمع احتمال قيام صناعة أميركية مسنودة بدولتها، ستجد أوروبا نفسها مضطرة إلى حسم ما إذا كانت سيادتها يمكن أن تبقى قائمة على التنظيم وحده، أم أنها تحتاج بدورها إلى شكل من أشكال الاستثمار. وحتى هذه اللحظة، يبقى مقترح Altman في صيغة الاحتمال: محادثات «تصورية» و«في مرحلة مبكرة»، وفقًا لـ Financial Times، مع ضرورة المرور عبر الكونغرس. لكن الخط الفاصل الذي يرسمه بين ضفتي الأطلسي قد رُسم بالفعل.

ST
Stephane Nachez

هيئة تحرير ActuIA — أخبار وبيانات وتحليلات حول الذكاء الاصطناعي لصنّاع القرار.

الجهات المذكورة
FIFinancial Times
DODonald Trump
SASam Altman
BLBloomberg
ANAnthropic
FOForbes
OPOpenAI
EUEurope
النشرة الأسبوعية ActuIA

تم تأكيد الاشتراك، نراكم قريبًا!